ابن كثير

142

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

في ديارهم جاثمين إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ . [ سورة الشعراء ( 26 ) : الآيات 160 إلى 164 ] كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ ( 160 ) إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَ لا تَتَّقُونَ ( 161 ) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ ( 162 ) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ( 163 ) وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ ( 164 ) يقول تعالى مخبرا عن عبده ورسوله لوط عليه السلام ، وهو لوط بن هاران بن آزار وهو ابن أخي إبراهيم الخليل عليه السلام ، وكان اللّه تعالى قد بعثه إلى أمة عظيمة في حياة إبراهيم عليهما السلام ، وكانوا يسكنون سدوم وأعمالها التي أهلكها اللّه بها ، وجعل مكانها بحيرة منتنة خبيثة ، وهي مشهورة ببلاد الغور بناحية متاخمة لجبال البيت المقدس ، بينها وبين بلاد الكرك والشوبك ، فدعاهم إلى اللّه عز وجل أن يعبدوه وحده لا شريك له ، وأن يطيعوا رسولهم الذي بعثه اللّه إليهم ، ونهاهم عن معصية اللّه وارتكاب ما كانوا قد ابتدعوه في العالم مما لم يسبقهم أحد من الخلائق إلى فعله ، من إتيان الذكور دون الإناث ، ولهذا قال تعالى : [ سورة الشعراء ( 26 ) : الآيات 165 إلى 175 ] أَ تَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ الْعالَمِينَ ( 165 ) وَتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ ( 166 ) قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ ( 167 ) قالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقالِينَ ( 168 ) رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ ( 169 ) فَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ ( 170 ) إِلاَّ عَجُوزاً فِي الْغابِرِينَ ( 171 ) ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ ( 172 ) وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَساءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ ( 173 ) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ ( 174 ) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ( 175 ) لما نهاهم نبي اللّه عن ارتكاب الفواحش ، وغشيانهم الذكور ، وأرشدهم إلى إتيان نسائهم اللاتي خلقهن اللّه لهم ، ما كان جوابهم له إلا أن قالوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا لُوطُ أي عما جئتنا به لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ أي ننفيك من بين أظهرنا ، كما قال تعالى : فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ [ الأعراف : 82 ] فلما رأى أنهم لا يرتدعون عما هم فيه وأنهم مستمرون على ضلالتهم ، تبرأ منهم وقال إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقالِينَ أي المبغضين ، لا أحبه ولا أرضى به ، وإني بريء منكم ، ثم دعا اللّه عليهم فقال رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ قال اللّه تعالى : فَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ أي كلهم . إِلَّا عَجُوزاً فِي الْغابِرِينَ وهي امرأته ، وكانت عجوز سوء بقيت فهلكت مع من بقي من قومها ، وذلك كما أخبر اللّه تعالى عنهم في سورة الأعراف وهود ، وكذا في الحجر حين أمره اللّه أن يسري بأهله إلا امرأته ، وأنهم لا يلتفتوا إذا سمعوا الصيحة حين تنزل على قومه ، فصبروا لأمر اللّه واستمروا ، وأنزل اللّه على أولئك العذاب الذي عم جميعهم ، وأمطر عليهم حجارة من سجيل منضود ، ولهذا قال تعالى : ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً - إلى قوله - وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ .